إعادة قراءة العمل اليومي من منظور مختلف

14 كانون الثاني 2026
ماذا تعلّمنا حين فتحنا عملنا أمام منظور أكاديمي

الابتكار لا يولد في العزلة ولا يقتصر على غرف الاجتماعات، ولا على العروض التقديمية أو الخطط الفصلية. وفي المقابل، لا يعيش فقط في القاعات الجامعية أو بين النظريات والكتب. الابتكار الحقيقي يحدث في المساحة الفاصلة بين التفكير والتنفيذ، حين تُختبَر الأفكار وتُسائَل الافتراضات، ويفتح الواقع المجال لوجهات نظر جديدة. وهنا تحديدًا تبرز قيمة التعاون بين القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية.

خلال هذا الفصل الدراسي، تعاونت وكّلني مع كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، ضمن مساق جديد في إدارة الابتكار. وقد تم اختيار وكّلني كدراسة حالة، ليعمل الطلاب على تحدٍّ عملي مستمد من صلب عملياتنا اليومية: كيف يمكن إيصال “القواعد الذهبية” للسائقين بوضوح وفعالية، من دون إثقالهم بالمعلومات؟

تشير “القواعد الذهبية” في وكّلني إلى مجموعة تعليمات خاصة بكل عميل، تُستخدم لتوجيه عمليات التوصيل بدقة. وتشمل هذه التعليمات ملاحظات، وتفضيلات، أو متطلبات محددة، تهدف إلى ضمان التعامل الصحيح والمتّسق مع الطلبات. ومع توسّع العمليات وتنوّع احتياجات العملاء، توسّعت هذه القواعد بدورها. بقيت ضرورية، لكنها أصبحت أكثر كثافة، وتحمل في طيّاتها كمًا كبيرًا من المعلومات في وقت واحد.

لم يكمن التحدّي في إبراز أهمية هذه القواعد، بل في تجربة السائق معها على أرض الواقع. فالسائق يتلقّى هذه التعليمات غالبًا بالتوازي مع عشرات الرسائل الأخرى الخاصة بالعمل، وتحت ضغط الوقت، وخلال مسار توصيل نشط. السؤال الذي طرحه الطلاب كان بسيطًا في شكله، لكنه جوهري في مضمونه: كيف نحافظ على الوضوح عندما تكون المعلومة ضرورية، لكن كثافتها قد تتحوّل إلى عبء؟

ولفهم هذا السؤال بعمق، تجاوز التعاون الجانب النظري. خلال الفصل الدراسي، زارت مجموعات الطلاب مكاتب وكّلني في البقاع وبيروت والدكوانة، حيث التقوا بالمشرفين ومديري العمليات، واطّلعوا على كيفية إيصال القواعد الذهبية حاليًا، وكيف يتم تعزيزها، والتحديات اليومية التي تواجه الفرق على الأرض.

لجأت بعض المجموعات أيضًا إلى استطلاع آراء السائقين مباشرة، لجمع ملاحظاتهم حول وضوح التعليمات، وأنواع القواعد الأسهل استيعابًا، والنقاط التي تسبّب الالتباس أو الإرهاق. وقد نقلت هذه الحوارات المشروع من مستوى الافتراض إلى مستوى التجربة الحقيقية.

في يوم العرض النهائي، قدّمت كل مجموعة رؤيتها لكيفية تحسين إيصال القواعد الذهبية، سواء من خلال ترتيب الأولويات، أو إعادة هيكلة المحتوى، أو تحسين التوقيت. وشارك فريق إدارة وكّلني في لجنة التحكيم، حيث دار نقاش مباشر مع الطلاب، وطُرحت الأسئلة، وقُيّمت المقترحات من حيث وضوحها التشغيلي، وقابليتها للتطبيق، وأثرها الواقعي.

لم يكن الهدف تنفيذ كل فكرة، ولم يكن هذا التوقّع قائمًا أصلًا. بل كانت القيمة الحقيقية في العملية نفسها: أن نعيد النظر في أنظمة نعرفها جيدًا بعيون جديدة، وأن نفتح مساحة للتساؤل البنّاء حول ممارسات اعتدنا اعتبارها مسلّمًا بها.

بالنسبة للطلاب، شكّلت التجربة تذكيرًا بأن الابتكار لا يحدث في بيئات مثالية، بل داخل أنظمة غير مكتملة، وقيود بشرية، وأولويات متداخلة. أما بالنسبة لنا في وكّلني، فقد أكّد هذا التعاون أهمية التوقّف أحيانًا لإعادة النظر في التفاصيل اليومية، حتى تلك التي تبدو وكأنها تعمل بشكل جيّد.

وكما لخّص د. زياد العوض، أستاذ ريادة الأعمال المساعد في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت: “غالبًا ما تكون الشركات غارقة في واقعها اليومي، بضغوطه وحدوده. ومن شأن التعاون مع الجامعات أن يفتح منظورًا مختلفًا، ويتيح للمؤسسات فهم تحدياتها بطرق جديدة.”

فتح عملياتنا أمام منظور أكاديمي لم يكن تمرينًا نظريًا بقدر ما كان خطوة لتعزيز طريقة تفكيرنا في العمل اليومي، لأن التغيير الحقيقي غالبًا ما يبدأ عندما نتوقّف قليلًا، ونعيد النظر في المألوف، بدل الاكتفاء بتكراره.

العودة إلى المقالات
white icon wakilni

Got questions?
We’re here for support!

chat with us

Working Hours
Monday to Friday
from 8am till 5pm
Saturday
from 8am till 1pm

Delivering across Lebanon
within 24 to 72 hours
Range $6 - $15+

Order a Service

Place your order quickly below or download our app and do it on the go anywhere and anytime.

track order wakilni in popup Track Orders close popup